واصف جوهرية

93

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

وقد سمعت هذه الرواية من الحاج محمود العاصي حميدان من لفتا عن المرحوم الشيخ محمد زلاطيمو قال : أنه زمن حرب تركيا والمسكوب « 1 » ربما سنة 1860 كان الشيخ محمد عسكري نفر في الجيش التركي في بيروت لبنان ، وكان محمد العاصي والد الحاج محمود شاويشا عليه فكان الشيخ محمد زلاطيمو يتردد عند صديق يبيع هذا الصنف من الحلوى في بيروت فتعلم هذه الصناعة وعندما قضى مدة الجيش رجع القدس ابتدع صنع المطبق المعروف بإسمه واللّه أعلم . [ إقرأ الحادث الطريف بمناسبة زلاطيمو ، أدناه ] . ناعمة يا اللّه يا . . . جاء القدس رجل طويل القامة جميل الوجه أنيق اللباس يلبس السروال الجوخ والدمير وكان من أهالي طرابلس الشام وقد اشتهر هذا الطرابلسي في صنع الغريبة ، فكان يتقن صنعها لدرجة أنه كان القطعة الواحدة حجم صغير بمتليكين ، وكان بالطبع سعر عال جدا بالنسبة لثمن الحلوى الأخرى في ذلك الزمن . جاء القدس ربما سنة 1906 وأقام فيها وكان يحمل لكنا أو ما يسمونه بالجاط المدهون وفيه قليل من حب الغريبة ، فيضع هذا اللكن على رأسه ويتمختر في شوارع المدينة داخل وخارج السور ينادي بأعلى صوته " غريبة ، ناعمة ، يا للّه ياه " والجدير بالذكر أنه عندما يكون واقفا وأمامه لكن الغريبة مرفوعا على السيبة « 2 » مثلا في سويقة علون أو حارة النصارى والرجال جالسين على ضفتي الشارع يشربون الأركيلة كانت تمر أو يمروا سيدات مسلمات أو مسيحيات منهن من يلبس الحبرة أو اللبس الفرنجي المكشوف فعندما تقع عينه على من كانت آية في الجمال . يصيح بأعلى صوته " ناعمة ، ناعمة ، يا للّه ياه " بمعنى أن هذه السيدة ناعمة وهكذا يلفت أنظار كل من وجد في الشارع من الرجال فتخجل تلك السيدة أو الآنسة حتى تكاد أن تعثر في قدميها . وهكذا كان هذا الرجل الغريب مكروها لدى كل من فيه دم العرب حتى إنني أذكر بأن الأستاذ خليل السكاكيني كان ينتقده ويذكره بالسخرية لدى التلاميذ ويقول " إذا كان هذا المارد الذي يجب أن يحمل الأثقال بالنظر لقوة جسمه يبيع الغريبة وكلها كم من قطعة على رأسه فقل وعلى الدنيا السلام . " الصومادة شراب أما الشرابات التي كانت تستعمل في مدينة القدس في هذه الفترة 1900 - 1914 كانت الشرابات المعروفة لدى الأقطار العربية المجاورة مثل شراب السوس والخروب والليمون والبرتقال والتمر هندي والمستعملة ليومنا هذا . والصنف الوحيد خصوصا الذي فقدناه بكل أسف هو شراب الصومادة . يستعمل هذا الشراب من اللوز الناشف ( مستحلب ) ويمزج بالطريقة الفنية بالسكر وقد كان يبيعه لنا رجل لا أذكر إذا كان تركيا أو يونانيا الأصل . كان يحمل إناءا بلورا جميلا لونه أبيض على ظهره ومعلق عليه نقود فضية وذهبية بواسطة السلاسل والخرز الأزرق فعندما يمشي في السوق تعمل

--> ( 1 ) المسكوب : الروس نسبة إلى موسكو ( موسكفا ) . ( 2 ) السيبه : القاعدة الخشبية للعينية .